في أسواق الطاقة العالمية، هناك سؤال بقيمة مليون دولار لا يجد له المحللون إجابة قاطعة، لماذا تشتري الصين النفط الخام بوتيرة غير مسبوقة وبكميات تفوق احتياجاتها الفعلية؟ هذا التحرك الصيني الغامض هو ما يمنع أسعار النفط من الانهيار، وفي الوقت نفسه يثير قلق العواصم الغربية التي تحاول فك شفرة نوايا بكين الحقيقية.
لفهم هذا السلوك، يجب العودة إلى الدروس التي استخلصتها الصين من الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تدرس لجان حكومية صينية بعناية فائقة تأثير العقوبات الغربية على روسيا، وكيفية التخفيف من حدتها تحسباً لتطبيق سيناريو مماثل على بكين في حال نشوب صراع مسلح مع الولايات المتحدة حول تايوان.
تدرك الصين جيداً أنها أكبر مستورد للنفط والغاز في العالم، حيث تستورد أكثر من 70% من استهلاكها النفطي، وهذه نقطة ضعف استراتيجية قاتلة يمكن لواشنطن استغلالها، فإما أن تفرض عقوبات مالية تمنع الدول من بيع الطاقة للصين، أو أن تلجأ إلى الخيار الأخطر وهو فرض حصار بحري مباشر لمنع ناقلات النفط من الوصول إلى الموانئ الصينية، وهو ما قد يشل اقتصادها القائم على التصنيع.
هذا القلق الصيني ليس مجرد تكهنات، بل تعززه نقاشات داخل الكونجرس الأمريكي حول دراسة جدوى فرض حصار بحري على الصين، بالإضافة إلى تقارير البنتاجون التي تركز على نقطة الاختناق الحيوية المعروفة بـ"معضلة ملقا"، وهو المضيق الذي يمر عبره 62% من واردات الصين النفطية، وإغلاقه يعني كارثة اقتصادية لبكين.
لمواجهة هذا التهديد الوجودي، تبنى الرئيس الصيني شي جين بينغ استراتيجية ذات مسارين، المسار الأول هو بناء أضخم أسطول بحري في العالم لضمان القدرة على كسر أي حصار، أما المسار الثاني وهو الأهم، فهو تحقيق أمن الطاقة عبر بناء احتياطيات استراتيجية ضخمة تكون بمثابة درع للاقتصاد الصيني في أوقات الحرب.
وتشير التقديرات إلى أن الصين تخزن حالياً ما بين مليون إلى 1.2 مليون برميل نفط يومياً، وتهدف للوصول إلى قدرة تخزين استيعابية تبلغ 2 مليار برميل بحلول عام 2028، وهو ما يعادل واردات ستة أشهر كاملة، وهذا يفسر سباق شركات النفط الصينية الحكومية لبناء مواقع تخزين جديدة بوتيرة متسارعة.
في النهاية، يبقى تفسير هذا الشراء الضخم للنفط مفتوحاً على احتمالين، الأول هو أنه مجرد انتهازية اقتصادية ذكية لاستغلال انخفاض أسعار الخام، أما التفسير الثاني، والذي لا يمكن استبعاده، فهو أنه جزء من استعدادات استراتيجية شاملة تخوضها الصين لمواجهة قادمة قد تغير شكل العالم.
