جولة درامية في الدوري الإنجليزي: زيركزي ينهي صيامه، إيزاك ينقذ سلوت، والسباق يشتعل

في عالم كرة القدم، هناك أيام سبت وأحد لا تُنسى؛ أيام تُكتب فيها فصول من الدراما والإثارة، وتتغير فيها ملامح سباق اللقب ومعركة الهبوط في دقائق معدودة، وكانت هذه الجولة من الدوري الإنجليزي الممتاز لموسم 2025-2026 واحدة من تلك الجولات التي حبست الأنفاس وأعادت تعريف التوقعات، ومن مهاجم يكسر صيامه التهديفي الطويل ليمنح فريقه فوزاً صعباً، إلى صفقة قياسية تثبت قيمتها أخيراً لتنقذ مدرباً من مقصلة الإقالة، وصولاً إلى ديربي لندني دموي انتهى بتعادل بطعم الفوز للبعض والخسارة للبعض الآخر، ولقد كانت جولة بمثابة "مايكرو-موسم"، تلخص كل ما يجعل البريميرليج هو المسرح الكروي الأكثر إثارة في العالم.

جولة درامية في الدوري الإنجليزي: زيركزي ينهي صيامه، إيزاك ينقذ سلوت، والسباق يشتعل

في هذا التحليل الشامل والنهائي، لن نكتفي بسرد النتائج، بل سنغوص في أعماق ما حدث، ليس فقط من خلال سرد الأهداف، بل عبر فهم التكتيكات، تحليل أداء النجوم الجدد والقدامى، وقراءة ما وراء الكواليس في أغنى وأقوى دوري في العالم، وسنقوم بتشريح كامل ليوم كروي مجنون، نكشف فيه كيف يمكن للاعب واحد أن يغير مسار موسم كامل، وكيف يمكن لنتيجة واحدة أن تضع مستقبل مدرب على المحك، وكيف تتشابك خيوط المنافسة في قمة وقاع جدول الترتيب الأكثر إثارة في أوروبا.

الفصل الأول: مسرح الأحلام واللعنات - مانشستر يونايتد 2-1 كريستال بالاس

على ملعب سيلهرست بارك، معقل كريستال بالاس الصعب، دخل مانشستر يونايتد بقيادة مدربه البرتغالي روبن أموريم وهو مثقل بضغط النتائج السيئة، بعد فشله في تحقيق أي فوز في آخر ثلاث مباريات، والمباراة التي بدأت بشكل سيء للشياطين الحمر، تحولت إلى قصة عن الفداء، والعودة من بعيد، وبطل غير متوقع كسر أخيراً لعنة طويلة لازمته منذ وصوله إلى أولد ترافورد.

شبح البدايات السيئة يطارد أموريم

بدأت المباراة بشكل كارثي لمانشستر يونايتد، وظهر الفريق بلا روح وبأخطاء دفاعية متكررة، وفي الدقيقة 36، ارتكب المدافع الشاب ليني يورو خطأ فادحاً داخل منطقة الجزاء بتدخله على مهاجم بالاس، جان فيليب ماتيتا، ليحتسب الحكم ركلة جزاء، وتقدم ماتيتا ليسدد الكرة، لكنه ارتكب خطأ "اللمسة المزدوجة" النادر، حيث لامست الكرة قدمه مرتين، ورغم أن الكرة دخلت المرمى، إلا أن الحكم ألغى الهدف، لكن، وبسبب قاعدة جديدة تم تطبيقها هذا الموسم، والتي تنص على إعادة ركلة الجزاء في حالة اللمسة المزدوجة العرضية إذا نجحت التسديدة، حصل ماتيتا على فرصة ثانية، وهذه المرة، لم يخطئ المهاجم الفرنسي وسدد الكرة بثقة في الشباك، معلناً تقدم أصحاب الأرض، ثم انتهى الشوط الأول ومانشستر يونايتد متأخر بهدف، والضغوط تتزايد بشكل هائل على أموريم ولاعبيه.

اللحظة التي انتظرها الجميع: زيركزي يكسر الصيام

مع بداية الشوط الثاني، كان اليونايتد بحاجة إلى بطل، إلى شرارة تعيد إليه الحياة، وجاءت هذه الشرارة من أقل لاعب متوقع: المهاجم الهولندي جوشوا زيركزي، فمنذ انتقاله إلى مانشستر يونايتد من بولونيا في صفقة كلفت النادي 36 مليون جنيه إسترليني، تحول زيركزي إلى عبء على الفريق ومادة للسخرية، وصيام تهديفي طويل امتد لـ 24 مباراة في الدوري، وهدف وحيد في البريميرليج كان قد سجله في ديسمبر من العام الماضي، وكل هذه الأرقام السلبية كانت في ذهنه وهو يدخل الشوط الثاني.

لكن في الدقيقة 54، حدث ما لم يكن في الحسبان، فمن ركلة حرة نفذها القائد برونو فيرنانديز، استلم زيركزي الكرة ببراعة على صدره، ومن زاوية شبه مستحيلة، أطلق تسديدة صاروخية مذهلة عبرت الحارس دين هندرسون واستقرت في الزاوية البعيدة، فلم يكن مجرد هدف، بل كان انفجاراً من الغضب والفرح والإصرار، وهدف أعاد الحياة لزيركزي قبل أن يعيدها لمانشستر يونايتد، وهذا الهدف حرر الفريق من قيوده النفسية، وبدأوا في الضغط بقوة بحثاً عن الفوز.

ماونت يكمل العودة: هل هي بداية جديدة؟

الزخم الذي خلقه هدف زيركزي كان واضحاً، وفي الدقيقة 63، حصل اليونايتد على ركلة حرة أخرى على بعد 20 ياردة من المرمى، وبلمسة ذكية، مرر برونو فيرنانديز الكرة إلى ماسون ماونت، الذي أطلق تسديدة أرضية قوية مرت تحت الحائط البشري وفاجأت الحارس هندرسون لتسكن الشباك، هدف ثانٍ للاعب آخر عانى كثيراً هذا الموسم بسبب الإصابات، وهذا الهدف لم يمنح اليونايتد ثلاث نقاط ثمينة فقط، بل كان بمثابة شهادة على الروح القتالية التي طالب بها المدرب أموريم، والفوز على كريستال بالاس في ملعبهم، والذي لم يخسروا عليه منذ فبراير، هو أكثر من مجرد فوز، بل هو دفعة معنوية هائلة قد تكون نقطة التحول في موسم الشياطين الحمر.

الفصل الثاني: صفقة القرن تنقذ سلوت - ليفربول 2-0 وست هام

في العاصمة لندن، كانت الأجواء أكثر قتامة، حيث أن ليفربول، تحت قيادة مدربه آرني سلوت، كان يعيش كابوساً حقيقياً، ثلاث هزائم متتالية بثلاثة أهداف أو أكثر، بما في ذلك إذلال أوروبي بنتيجة 4-1 أمام آيندهوفن، وخسارتين ثقيلتين في الدوري أمام مانشستر سيتي ونوتينجهام فورست، والضغط كان هائلاً على سلوت، وبدأت الأقاويل عن فقدانه لغرفة الملابس تتزايد، وفي هذه الظروف، كانت مباراة وست هام بمثابة "حياة أو موت" للمدرب الهولندي.

لزيادة الضغط، قرر سلوت اتخاذ قرار جريء بإجلاس النجم الأول للفريق، محمد صلاح، على مقاعد البدلاء للمرة الثالثة هذا الموسم، في رسالة واضحة بأن لا أحد فوق الفريق، والرهان كان كبيراً، والأنظار كلها كانت تتجه نحو الصفقة الأغلى في تاريخ بريطانيا، المهاجم السويدي ألكسندر إيزاك، الذي كلف النادي 125 مليون جنيه إسترليني قادماً من نيوكاسل، لكنه لم يسجل أي هدف في الدوري حتى الآن.

بعد شوط أول متوتر ومحاولات خجولة، جاءت لحظة الانفراج التي انتظرها كل مشجع لليفربول، وفي الدقيقة 60، قاد كودي جاكبو هجمة مرتدة، ومرر الكرة إلى إيزاك داخل منطقة الجزاء، وبهدوء وثقة، سدد المهاجم السويدي الكرة أرضية في الشباك، كاسراً صيامه التهديفي الطويل في الدوري، واحتفاله بالانزلاق على ركبتيه كان تعبيراً عن حجم الضغط الهائل الذي تم رفعه عن كاهله، وهذا الهدف لم يكن مجرد هدف، بل كان بمثابة طوق نجاة ألقاه إيزاك لمدربه سلوت، وفي الدقائق الأخيرة، أضاف جاكبو الهدف الثاني ليؤمن الفوز، وليمنح ليفربول ومدربه متنفساً كانوا في أمس الحاجة إليه.

جولة درامية في الدوري الإنجليزي: زيركزي ينهي صيامه، إيزاك ينقذ سلوت، والسباق يشتعل

الفصل الثالث: حرب ستامفورد بريدج - تشيلسي 1-1 آرسنال

في قمة الجولة، استضاف تشيلسي غريمه اللندني آرسنال في معركة وصفت بأنها "حرب استنزاف"، فالمباراة كانت تجسيداً حياً للمنافسة الشرسة على لقب الدوري، فكلا الفريقين دخلا المباراة بمعنويات عالية بعد انتصارات أوروبية، لكن الأجواء الودية سرعان ما تبخرت لتحل محلها تدخلات عنيفة وبطاقات صفراء بالجملة.

نقطة التحول في المباراة جاءت في الدقيقة 38، عندما قام لاعب وسط تشيلسي، مويسيس كايسيدو، بتدخل عنيف على كاحل لاعب آرسنال، ميكيل ميرينو، وبعد مراجعة تقنية الفيديو (VAR)، تم ترقية البطاقة الصفراء إلى بطاقة حمراء مباشرة، ليكمل تشيلسي المباراة بعشرة لاعبين. كان هذا هو الطرد السادس للبلوز هذا الموسم، وهو رقم مقلق يعكس الاندفاع المفرط للاعبي المدرب إنزو ماريسكا.

رغم النقص العددي، نجح تشيلسي في التقدم بالنتيجة في بداية الشوط الثاني، وبعد ركلة ركنية، ارتقى المدافع تريفوه تشالوباه وسجل هدفاً رأسياً رائعاً، ليثبت أن تشيلسي فريق لا يستسلم، ولكن آرسنال، متصدر الدوري، أظهر شخصية البطل، وقام المدرب أرتيتا بتغييرات هجومية، وفي الدقيقة 59، وبعد مجهود فردي رائع من بوكايو ساكا، تمكن ميكيل ميرينو، الذي كان يلعب كمهاجم وهمي، من تسجيل هدف التعادل برأسية قوية، وانتهت المباراة بالتعادل 1-1، وهي نتيجة شعر معها تشيلسي بالرضا، بينما شعر آرسنال بأنه أهدر فرصة لتوسيع الفارق في الصدارة.

ما وراء الخبر: قراءة تحليلية لمشهد الدوري الإنجليزي

ما حدث في هذه الجولة هو صورة مصغرة لما يجعل الدوري الإنجليزي هو الأقوى في العالم، ففوز مانشستر يونايتد القاتل يوضح أن الفرق الكبرى تمتلك "جينات الفوز" التي تظهر في الأوقات الصعبة، وأن لاعباً واحداً مثل زيركزي يمكن أن يغير موسم الفريق بهدف واحد، وقصة ليفربول تؤكد حجم الضغط الهائل الذي يتعرض له المدربون واللاعبون أصحاب الصفقات الكبرى، حيث يمكن لهدف واحد من إيزاك أن يشتري وقتاً ثميناً للمدرب سلوت، وأما مباراة تشيلسي وآرسنال، فهي تظهر أن سباق اللقب هذا الموسم لن يكون سهلاً، وأن المنافسة لن تقتصر على فريقين فقط، بل ستكون معركة تكتيكية وبدنية شرسة حتى النهاية، وهذه الجولة كشفت عن الفجوة بين طموحات الفرق الكبرى وواقعية الفرق التي تقاتل من أجل البقاء، وأكدت مرة أخرى على أن "هندسة" الفريق لا تقتصر على شراء النجوم، بل على بناء منظومة قادرة على الصمود تحت الضغط حتى الثانية الأخيرة.

أسئلة شائعة (FAQ)

لماذا يعاني اللاعبون أصحاب الصفقات الكبرى مثل زيركزي وإيزاك في البداية؟
الانتقال إلى نادٍ كبير في الدوري الإنجليزي يضع ضغطاً هائلاً على اللاعب، والتوقعات تكون مرتفعة، والأسلوب التكتيكي مختلف، وسرعة اللعب أعلى بكثير، بالإضافة إلى ذلك، فإن قيمة الصفقة الكبيرة تضع عبئاً نفسياً على اللاعب لتبريرها، وغالباً ما يحتاج اللاعبون إلى فترة للتأقلم، وهدف واحد، مثل الذي سجله زيركزي وإيزاك، يمكن أن يكون بمثابة نقطة انطلاق حقيقية لمسيرتهم.
ما هي قاعدة "إعادة ركلة الجزاء" الجديدة؟
هي تعديل جديد تم تطبيقه هذا الموسم لمعالجة مشكلة "اللمسة المزدوجة" العرضية في ركلات الجزاء، وفي السابق، إذا سدد اللاعب الكرة وارتطمت بقدمه الأخرى عن طريق الخطأ ودخلت المرمى، كان الهدف يُلغى وتُحتسب ركلة حرة غير مباشرة للفريق الخصم، والقاعدة الجديدة تنص على أنه إذا كانت اللمسة المزدوجة عرضية، يتم إعادة تنفيذ الركلة، وهو ما حدث مع ماتيتا.
من هم أبرز المنافسين على لقب الدوري الإنجليزي هذا الموسم؟
بناءً على الأداء الحالي، يبدو أن الصراع سينحصر بشكل كبير بين الثلاثي: آرسنال، الذي يظهر استقراراً كبيراً، ومانشستر سيتي، حامل اللقب الذي يمتلك الخبرة والعمق، وتشيلسي، الذي يقدم مستويات قوية رغم بعض الاندفاع، ولكن لا يمكن استبعاد حدوث مفاجآت، فالدوري الإنجليزي دائماً ما يكون مليئاً بالتقلبات.

في الختام، قدمت لنا هذه الجولة جرعة مكثفة من كل ما نحبه في كرة القدم: الدراما، الأهداف القاتلة، التقلبات غير المتوقعة، والضغط الهائل، وإنه تذكير دائم بأن كل مباراة هي قصة بحد ذاتها، وأن فصول هذه القصص هي ما تشكل في النهاية ملحمة الدوري الأقوى في العالم.

تعليقات